الراغب الأصفهاني
518
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
واعتل الشبلي ثم برأ فقال له بعض أصحابه : كيف أنت ؟ فقال : كلما قلت قد دنا حل قيدي * قدموني وأوثقوا المسمارا الحياة لا تملّ قال بعض الحكماء : الحياة وإن طالت لا تمل وإنما يمل المرء تكاليف الحياة ولهذا فضّل قول زهير : سئمت تكاليف الحياة ومن يعش * ثمانين حولا لا أبا لك يسأم على قول لبيد : ولقد سئمت من الحياة وطولها * وسؤال هذا الناس كيف لبيد ؟ وقيل : إن الحياة لا تسأم وإنما تسأم تكاليفها ، قال المتنبي : ولذيذ الحياة أنفس في النفس * وأشهى من أن يملّ وأحلى وإذا الشيخ قال أف فما م * لّ حياة وإنما الضّعف ملّا آلة العيش صحّة وشباب * فإذا ولّيا عن المرء ولّى ودخل سليمان بن عبد الملك مسجد دمشق فرأى شيخا . فقال : يا شيخ أيسرك أن تموت ؟ فقال : لا واللّه . قال : لم ؟ وقد بلغت من السن ما أرى ؟ قال : نفى الشباب وشره وبقي الشيب وخيره ، فأنا إذا قعدت ذكرت اللّه وإذا قمت حمدت اللّه فأحب أن تدوم لي هاتان الحالتان . المستنكف أن يموت حتف أنفه قال الشنفرى : فلا تقبروني إنّ قبري محرّم * عليكم ولكن أبشري أم عامر « 1 » وقال بكر بن عبد العزيز : إن موت الفراش ذلّ وعار * وهو تحت السيوف فضل شريف وإني لأستحسن قول أبي فراس بن حمدان : متى ما يدن من أجلي كتابي * أمت بين الأسنّة والأعنّة « 2 » وقال آخر : فيا ربّ لا تجعل حياتي دنيئة * ولا ميتتي يا ربّ بين النوائح ولكن صريعا بين أرماح فتية * طوال القنا من فوق أدهم قادح « 3 »
--> ( 1 ) أم عامر : الضبع . ( 2 ) الأسنة والأعنة : كناية عن الحروب والمعارك . ( 3 ) أدهم قادح : فرس ضامر .